مجمع البحوث الاسلامية

313

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أي ذلك القيام كائن بسبب أنّهم . وقيل : خبر مبتدإ محذوف ، تقديره قيامهم ذلك ، إلّا أنّ في هذا الوجه فصلا بين المصدر ومتعلّقه الّذي هو ( بانّهم ) على أنّه لا يبعد جواز ذلك لحذف المصدر ، فلم يظهر قبح بالفصل بالخبر . وقدّره الزّمخشريّ ذلك العقاب بسبب أنّهم ، والعقاب هو ذلك القيام . ويحتمل أن يكون ( ذلك ) إشارة إلى أكلهم الرّبا ، أي ذلك الأكل الّذي استحلّوه بسبب قولهم واعتقادهم أنّ البيع مثل الرّبا ، أي مستندهم في ذلك التّسوية عندهم بين الرّبا والبيع ، وشبّهوا البيع وهو المجمع على جوازه بالرّبا وهو محرّم ، ولم يعكسوا تنزيلا لهذا الّذي يفعلونه من الرّبا منزلة الأصل المماثل له البيع . وهذا من عكس التّشبيه وهو موجود في كلام العرب . [ ثمّ استشهد بشعر ] وكان أهل الجاهليّة إذا حلّ دينه على غريمه طالبه فيقول : زدني في الأجل وأزيدك في المال . . . فكذّبهم اللّه تعالى . وقيل : كانت ثقيف أكثر العرب ربا فلمّا نهوا عنه قالوا : إنّما هو مثل البيع وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ظاهره أنّه من كلام اللّه تعالى لا من كلامهم ، وفي ذلك ردّ عليهم ؛ إذ ساووا بينهما ، والحكم في الأشياء إنّما هو إلى اللّه تعالى لا يعارض في حكمه ولا يخالف في أمره . وفي هذه الآية دلالة على أنّ القياس في مقابلة النّصّ لا يصحّ ؛ إذ جعل تعالى الدّليل في إبطال قولهم هو أنّ اللّه أحلّ البيع وحرّم الرّبا . وقال بعض العلماء : قياسهم فاسد ، لأنّ البيع عوض ومعوّض لا غبن فيه ، والرّبا فيه التّغابن وأكل المال الباطل ، لأنّ الزّيادة لا مقابل لها من جنسها ، بخلاف البيع فإنّ الثّمن مقابل بالمثمن . قال جعفر الصّادق [ عليه السّلام ] : حرّم اللّه الرّبا ليتقارض النّاس ، وقيل : حرّم لأنّه متلف للأموال مهلك للنّاس . وقال بعضهم : يحتمل أن يكون وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا من كلامهم ، فكانوا قد عرفوا تحريم اللّه الرّبا فعارضوه بآرائهم ، فكان ذلك كفرا منهم ، والظّاهر عموم البيع والرّبا في كلّ بيع وفي كلّ ربا ، إلّا ما خصّه الدّليل من تحريم بعض البيوع وإحلال بعض الرّبا . وقيل : هما مجملان فلا يقدّم على تحليل بيع ولا تحريم ربا إلّا ببيان ، وهذا فرق ما بين العامّ والمجمل . وقيل : هو عموم دخله التّخصيص ومجمل دخله التّفسير . وتقاسيم البيع والرّبا وتفاصيلهما مذكور في كتب الفقه . ( 2 : 335 ) نحوه ابن كثير ( 1 : 58 ) ، والمراغيّ ( 3 : 64 ) . السّيوطيّ : ومن أمثلة ما خصّ بالحديث قوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ خصّ منه البيوع الفاسدة وهي كثيرة بالسّنّة وَحَرَّمَ الرِّبا خصّ منه العرايا بالسّنة . ( 3 : 54 ) الآلوسيّ : [ قال نحو الزّمخشريّ وأضاف : ] وقيل : يجوز أن يكون التّشبيه غير مقلوب بناء على ما فهموه أنّ البيع إنّما حلّ لأجل الكسب والفائدة ، وذلك في الرّبا متحقّق وفي غيره موهوم . وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا جملة مستأنفة من اللّه تعالى ردّا عليهم ، وإنكارا لتسويتهم . [ ثمّ قال نحو ما تقدّم عن أبي حيّان ] ( 3 : 50 )